أبي منصور الماتريدي
172
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 89 ] ، أي : يستنصرون ، ويكون طلب الحكم والقضاء بين الحق والباطل ؛ يقال « 1 » : فتح بكذا ، أي : حكم به وقضى ، فهو يخرج على وجهين : على طلب بيان المحق من المبطل ، وطلب بيان أحق الدينين بالنصر والحكم ؛ فقد بين الله لهم أحق الدينين ما ذكر في القصة « 2 » أن أبا جهل « 3 » قال : اللهم اقض بيننا
--> ( 1 ) وعن ابن عباس : « ما كنت أدري ما معنى « الفتاح » حتى اختصم إلى أعرابيان ، فقال أحدهما : افتح بيننا » ، وهي الفتاحة - بالضم - : أي الحكومة ، وعليه قول الشاعر : وإني عن فتاحتكم غنيّ وقوله : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي : احكم ، وإنما قيل للقاضي : فتاح ؛ لأنه ينصر المظلوم . والفتح : النصر ، كقوله تعالى : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ، وقوله : وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا . وقيل : لأنه يفتح ما أغلق على غيره من الأحكام . وقوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً أي : قضينا قضاء محكما ، وعنى به صلح الحديبية ، وقيل : فتح مكة ، والمعنى : فتحا ظاهرة بركته ؛ فإنه من حينئذ كثر الإسلام واتسع نطاقه . والفتح في الأصل إزالة الإغلاق والإشكال ، وهو نوعان : أحدهما : مدرك بالبصر ، نحو : فتحك الباب والقفل والمتاع ، كقوله تعالى : فُتِحَتْ أَبْوابُها * ، وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ والثاني : مدرك بالبصيرة ، كفتح الهم وهو إزالة الغم ، وذلك ضربان : أحدهما في الأمور الدنيوية كغم يفرج وفقر يزال بمنح المال . والثاني : فتح ما استغلق من العلم نحو : الشافعي فتح بابا مغلقا من العلم ، وهذا مقول في قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ، عنى تعالى ما فتحه عليه - عليه الصلاة والسلام - من العلوم الإلهية والهدايات الدينية التي هي ذرائع إلى نيل أعلى المقامات المحمودة وإصابة الثواب الجزيل وسبب في غفران الذنوب ؛ ولذلك عقبه بقوله تعالى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] . ويعبر بالفتح عن توسعة الرزق ، كقوله تعالى : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ وقوله تعالى : لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ المعنى : لوسعنا عليهم الرزق ، ولأقبلنا عليهم بالخيرات من كل وجه . وقوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ قيل : معناه : إزالة الشبهة والشك الذي كانوا فيه من قيام القيامة ومشاهدة الساعة وأهوالها ، وقيل : ما كانوا يستفتحون من العذاب ويطلبونه ؛ لأن الاستفتاح طلب الفتح . ويعبر بالفتح عن الابتداء بالشيء ، يقال : افتتحت كذا بكذا ، ومنه سميت فاتحة الكتاب للابتداء بها فيه . وفاتحة كل شيء : مبدؤه الذي يفتح به ما بعده . ينظر : عمدة الحفاظ ( 3 / 232 ، 233 ) ، والنهاية ( 3 / 407 ) ، واللسان ( فتح ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 188 ) ( 15748 ) عن ابن عباس ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 307 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس . ( 3 ) هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي : أشد الناس عداوة للنبي صلى اللّه عليه وسلم في صدر الإسلام ، وأحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها في الجاهلية ، قال صاحب عيون الأخبار : سودت قريش أبا جهل ولم يطرّ شاربه ، فأدخلته دار الندوة مع الكهول . أدرك الإسلام وكان يقال له : « أبو الحكم » ، فدعاه المسلمون « أبا جهل » . سأله الأخنس بن شريق الثقفي - وكانا قد استمعا شيئا من القرآن - : ما رأيك يا أبا الحكم فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ما ذا سمعت ؟ ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ ! . . . والله لا نؤمن به -